محمد بن جرير الطبري

118

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثني بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قال : لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت ، من معصيتهم نبيهم ، وهمهم بكالب ويوشع ، إذ أمراهم بدخول مدينة الجبارين ، وقالا لهم ما قالا ، ظهرت عظمة الله بالغمام على نار فيه الرمز على كل بني إسرائيل ، فقال جل ثناؤه لموسى : إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدقون بالآيات كلها التي وضعت بينهم ؟ أضربهم بالموت فأهلكهم ، وأجعل لك شعبا أشد وأكثر منهم . فقال موسى يسمع أهل المصر الذين أخرجت هذا الشعب بقوتك من بينهم ، ويقول ساكنو هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب ، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد ، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك : إنما قتل هذا الشعب من أجل لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم ، فقتلهم في البرية ، ولكن لترتفع أياديك ، ويعظم جزاؤك يا رب كما كنت تكلمت وقلت لهم ، فإنه طويل صبرك ، كثيرة نعمك ، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق ، وإنك تحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أجيال وأربعة ، فاغفر أي رب آثام هذا الشعب ، بكثرة نعمك ، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه وسلم : قد غفرت لهم بكلمتك ، ولكن قد أنى لي أنا الله ، وقد ملأت الأرض محمدتي كلها ، ألا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار ، سألوني عشر مرات ولم يطيعوني ، لا يرون الأرض التي خلقت لآبائهم ، ولا يراها من أغضبني ؛ فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي ، فإني مدخله الأرض التي دخلها ، ويراها خلفه . وكان العماليق والكنعانيون جلوسا في الجبال ، ثم غدوا فارتحلوا في القفار في طريق يحرسون ، وكلم الله عز وجل موسى وهارون ، وقال لهما : إلى متى توسوس علي هذه الجماعة جماعة السوء ؟ قد سمعت وسوسة بني إسرائيل . وقال : لأفعلن بكم كما قلت لكم ، ولتلقين جيفكم في هذه القفار ، وحسابكم من بني عشرين سنة فما فوق ذلك من أجل أنكم وسوستم علي ، فلا تدخلوا الأرض التي دفعت إليها ، ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون ، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة . وأما بنوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر ، فإنهم يدخلون الأرض ، وإني بهم عارف لهم الأرض التي أردت لهم وتسقط جيفكم في هذه القفار ، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيام التي جسستم الأرض أربعين يوما مكان كل يوم سنة وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة ، وتعلمون أنكم وسوستم : قد أنى لي أنا الله فاعل بهذه الجماعة ، جماعة بني إسرائيل ، الذين وعدوا بأن يتيهوا في القفار ، فيها يموتون فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم يتجسسون الأرض ، ثم حرشوا الجماعة ، فأفشوا فيهم خبر الشر ، فماتوا كلهم بغتة ، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض . فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كله لبني إسرائيل ، حزن الشعب حزنا شديدا ، وغدوا فارتفعوا على رأس الجبل ، وقالوا : نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه من أجل أنا قد أخطأنا . فقال لهم موسى : لم تعتدون في كلام الله من أجل ذلك ، لا يصلح لكم عمل ، ولا تصعدوا من أجل أن الله ليس معكم ، فالآن تنكسرون من قدام أعدائكم من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم ، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله فلم يكن الله معكم فأخذوا يرقون في الجبل ، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة ؛ يعني من الحكمة ، حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط ، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم . فتيهم الله عز ذكره في التيه أربعين سنة بالمعصية ، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك . قال : فلما شب النواشئ من ذراريهم ، وهلك آباؤهم ، وانقضت الأربعون سنة التي تتيهوا فيها وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون ، وكان لهما صهرا ؛ قدم يوشع بن نون إلى أريحا في بني إسرائيل ، فدخلها